القاضي عبد الجبار الهمذاني

35

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عند ذلك أنها لم تعرف عقلا ، فشكر النعمة لا يعرف من جهة العقل ، وقد بينا أنها ليست من الشكر بسبيل ؛ ولذلك يختلف وجوبها في المكلفين ، فإن اشتركوا في عظم نعم اللّه تعالى ، لزمهم . فقد بينا بطلان قولهم : إن للمنعمين في كيفية الشكر الواقع ممن أنعموا عليه أغراضا مختلفة فلا بد لأجل ذلك في شكر نعمة اللّه من بيان واقع من جهة الرسول أو الإمام ؛ بأن قلنا : إن القدر الواجب من شكر النعمة لا يتغير بالأغراض ، لأن المنعم لو أسقطه لما سقط . وإن المنعم لو مات قبل أن يبين غرضه لما سقط ، ولو خرس وتعذر اللسان عليه لما سقط . وهذا يبين أنه إذا بيّن الغرض فالذي بيّنه أمر زائد على الشكر . فإن كان له وجه وجوب وجب ، وإلا لم يجب ، ولا تعلق لذلك بشكر المنعمين البتة . وبينا أن هذا التعليل لو صح لهم لما كان يوجب في كل عصر حجة / لا محالة ، لأن بيان الرسول الواحد إذا انتشر بالتواتر في كيفية الشكر ، أغنى عن حجة بعده . وقد بينا فيما تقدم في أبواب التكليف العقلي أن أهل العقول يعرفون بعقولهم من جهة الاضطرار أو الاستدلال ما يلزمهم من علم وعمل فلا وجه لإثبات الحاجة إلى حجة في كل عصر لأمر يتصل بالتكليف العقلي . ولا فرق بين من قال ذلك وبين من قال إنه لا يعلم بالعقل شيء البتة ، وأن جميعه يعلم بالسمع . * * * ونعود إلى القسم الآخر ، وهو قولهم : نحتاج إلى إمام لينبه على الفصل بين السموم القاتلة المتلفة للمكلف ، وبين الأغذية المبقية للمكلف ؛ لأن التكليف لا يتم إلا بسلامة البدن ، فما لا تتم السلامة إلا به صار كأنه من باب الدين ، إلى غير ذلك مما يتعلقون به . فيقال لهم : أليس قد صح مع فقد العقل في البهائم وغيرها أن تعيش من دون هذه المعرفة وتبقى على السلامة ؛ إذ المعلوم من حال كثير منها أنه أقرب إلى السلامة من كثير من المكلفين . فلا بد من نعم .